الاشتراكية و تدبير الشأن المحلي
إن التدبير العمومي ليس ترفا مؤسساتيا أو تمرينا قانونيا في الأدبيات الكلاسيكية لتسيير الشأن العام، إنما هو مقاربة جد معقدة تروم التدبير العقلاني للسلطة بين الحاكمين و المحكومين،. فالحكامة الجيدة هنا تهم كيفية تنظيم و تسيير و تدبير الشأن العام من طرف من أعطيت لهم الشرعية للقيام بذلك و مدى مشاركة المواطنين في تتبع و تقويم و تأطير ذلك.
و كما لا يخفى على جميع من يتتبعنا، فان انشغالنا بالشأن العام لم يكن وليد الصدفة أو مصادمة تاريخية، بل هي قناعة و انتماء منذ وعينا بمحيطنا الأسري و كذلك الحزبي. إن اعتناقنا الفكر الاشتراكي الديمقراطي ولد لدينا و عبر الزمن القناعة الراسخة بأهمية الديمقراطية و العدالة الاجتماعية، و ضرورة تجديد صيغ مقاومة الفوارق و المظالم الاجتماعية.
فإذا أخذنا طبيعة الممارسة الجماعية في المغرب التي ما فتئت تعرف تطورات مهمة منذ بدايتها، فان النقاش الأساسي الذي يقض مضجع الفاعلين في هذا المجال هو الإجابة عن إشكالية الحاجة إلى إصلاح دولة الرعاية الاجتماعية و تجاوز المفهوم البيروقراطي في تسيير الشأن العام المحلي. و الحاجة إلى جرعات من روح المبادرة و الابتكار و المرونة في تدبير الجماعات المحلية. و ذلك لإبعاد شبح الاستئثار و المركزة المفرطة، و من اجل التطوير و إعادة انتشار القطاع العام الجماعي و ضمان نجاعته و إعطاء البعد المحلي دورا بارزا في الاستراتيجيات الجديدة للتنمية المحلية المندمجة و المستديمة.
إن التحديات التي واجهتنا و منذ تحملنا مسؤولية التسيير المحلي بأگادير هو التوفيق بين ما هو موجود من تدبير و تراكم تسييري و قانوني و حتى قيمي، وما نعتقده حكامة محلية جيدة، لذلك فقد تنازع عملنا كاشتراكيين مبدأين لفهم و تسيير المرفق العمومي :
الأول: يدفع بضرورة تفويت الخدمة العمومية إلى الخواص و تصدير المشاكل الناجمة عن هذه الخدمة نحو المقاولات الباحثة عن الربح…! و هذا ينطلق من عموميات جاهزة تصور القطاع العام بكونه فاشلا و تستشري داخله الزبونية و الفساد و ثقل المساطير… و نظرا لهذه السمعة و لتفادي هذه المشاكل و الأمراض الإدارية نقوم بتفويت هذه الخدمات للخواص مع ما ينجم عن ذلك من ازدياد في الكلفة، و إثقال المواطنين بالمزيد من الضرائب، و الضغط على ميزانية الجماعة، و بالتالي غياب الفائض اللازم من اجل توجيهه لمصالح السكان الاجتماعية و مشاريع القرب كالملاعب و دور الأحياء و الفضاءات الخضراء. هذا مع تسجيل أن هذا التفويت يروم عادة إلى تحقيق المرونة و النجاعة، و التحكم و ضبط التخصصات الدقيقة، التي يصعب على الجماعة بمستوى أطرها وإمكاناتها أن تضبطها، هذا زيادة على عدم قدرة الجماعة على تعبئة الوسائل التقنية و الآليات اللوجيستيكية، زيادة على ثقل المساطر الإدارية التي تحول دون سرعة و نجاعة انجاز الخدمة العمومية.
الثاني: و هو المبدأ الأقرب إلى تفكيرنا و قيمنا و ممارساتنا، و نعتبره الشكل الأنسب لتدبير المرفق العمومي المحلي و تعزيز دوره في حياة كل الشرائح الاجتماعية و الطبقات. و يتجلى هذا المبدأ في محاولة المزج بين قوة المرفق العمومي و مرونة التسيير في القطاع الخاص، و ذلك عبر خلق أشكال بديلة للتسيير الجماعي التي تتوخى العصرنة دون السقوط في الثقل الإداري و الكلفة المالية المرتفعة. و تقوم هذه الفكرة على أساس تأسيس مجموعات أو مؤسسات تابعة للجماعة المحلية تقوم بأداء هذه الخدمات الموكولة للبلدية، و لكن عن طريق تدبير مستقل و الجماعة الحضرية هنا تعتبر احد أكبر المساهمين و المقررين فيها. أي شركات ذات نظام مختلط، تحضر فيها البلدية بثقلها المالي و الإداري و القانوني و تكون هي صاحبة التوجهات الكبرى و القرارات الإستراتيجية لهذه المؤسسات الشبه عمومية ان صح التعبير. و أعطي النموذج في هذا الإطار بالمطرح البلدي الذي قمنا بتفويت جزء من مرافقه نظرا لتعقد و صعوبة تسييرها لأحد الخواص وفق دفتر تحملات يحترم كافة حقوق المرتفقين و الجماعة، و يجنب الكلفة المالية الزائدة مع الإبقاء على الخدمة العمومية في أحسن جودة. وهذا النوع من القرارات يتطلب شجاعة سياسية كبيرة و تحملا للمسئولية من لدن المسيرين الجماعيين.
إن تسييرا اشتراكيا للشأن المحلي لا يراعي الطبقات الاجتماعية المقصية، و لا يأخذ بعين الاعتبار الفئات الاجتماعية الأكثر فقرا لا يمكن و صفه بالاشتراكي. انه و منذ تولينا رئاسة الجماعة الحضرية لأگادير أخذنا على عاتقنا نهج سياسة مندمجة تأخذ بعين الاعتبار جميع أحياء المدينة دون استثناء. و كذلك توفير بنيات القرب اللازمة لاستيعاب مواهب و حاجيات الشباب و الأطفال، لذلك كان هاجسنا الأول هو التوجه نحو إعطاء الأهمية للمشاريع المتوسطة داخل الأحياء، و هذا في نظري ما يمكن اعتباره اشتراكية- أي أن المواطن هو مركز كل اهتمام-. فالاشتراكية المحلية هي إعادة توزيع المداخيل المتحصل عليها من المواطنين كضرائب النظافة و الإنارة، و البناء، و الضريبة الحضرية… غلى شكل مشاريع و بنيات تحتية موجهة للفئات المتضررة و مختلف قطاعات المدينة الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية. و هذا في نظرنا لا يتأتى إلا بتبني رؤية و ممارسة عقلانية تعتمد الدراسة و حسن المنهجية و ليس الشعبوية و الحلول الترقيعية او المتسرعة.
إن تحسين إطارات عيش المواطنين لمن شأنه مساعدة ساكنتنا على الإنتاج و الإبداع، و كذلك إعطاء المقاولة إمكانيات و أرضيات عمل تساعد الاقتصاد و الاستثمار على الإقلاع وذلك في إطار من الشفافية و المنافسة الشريفة.
هذا و يشكل السكن إحدى أولوياتنا التي يجب أن تأخذ بعين الاعتبار الجانب الإنساني و الجودة واحترام القوانين المنظمة. و بالتالي التوفر على رؤية مندمجة تحترم المعايير البيئية و الديمغرافية.
إلى ذلك يشكل التعليم إحدى ركائز أية نهضة اجتماعية و علمية و ثقافية، و عليه فانه من واجباتنا رد الاعتبار للمدرسة العمومية، و جعلها أكثر اندماجا و انفتاحا على محيطها و ذلك عبر تقديم الدعم و المساعدة اللازمة لمدارسنا و مؤسساتنا التعليمية حتى نتمكن من الرفع من جودة هذا التعليم العمومي بشتى أنواعه من دوره الأولي مرورا بالابتدائي، الإعدادي والثانوي و حتى الجامعي.
لقد شكل الشأن الثقافي إحدى اهتماماتنا الرئيسية و ذلك لوعينا بمساهمة الثقافة في تطوير الشعوب و إبراز مكانتها، و نظرا لخصوصية منطقتنا و مدينتنا فقد أخذنا على عاتقنا منذ البداية رد الاعتبار للثقافة المحلية بمختلف مشاربها ألأمازيغية و الصحراوية و الشعبية و الشبابية و كذلك الدينية… ، فالسياسة الثقافية الناجعة هي التي تعطي الفرصة لجميع الفئات الاجتماعية من اجل الاستفادة من المنتوج الثقافي، وذلك بالمجان أو بكلفة رمزية، فالبلدية في هذا الصدد تخصص ميزانية بالنسبة للبنية التحتية و كذلك الأنشطة ذات البعد الثقافي،زيادة على تقديم بعض الدعم المادي و المعنوي للفنان المحلي. و هو ما جعلنا نتوجه نحو إبراز هذه الخصوصية و الدفاع عنها على اعتبار أن الثقافة و تطورها تساعد لا محالة على تطوير الوعي الجماعي و تسهيل التواصل بين مكونات الشعب و الأجيال.
إن حياة المدينة كيفما اختلف حجمها و مواردها البشرية و المادية مرتبطة بشكل مباشر بالهيأة المنتخبة، التي عليها أن تحسن التخطيط لمصير المدينة. فالجماعة المحلية هي اقرب إدارة للمواطنين لذلك وجب التنويه بضرورة التفريق بين دور هذه المؤسسة المحلية و دور المؤسسات الأخرى كالبرلمان أو الحكومة. إذن فالفكر الاشتراكي في نظرنا يجب أن يأخذ بعين الاعتبار المصالح العامة لجميع فئات المجتمع، و يجب متابعة سياسة التغيير و الإصلاح و خلق حاجيات جديدة للمواطنين و مواكبتها. و أخلاقيا نعتقد بقوة الصمود أمام كل أنواع الفساد و الرشوة و مظاهر الزبونية في المرفق العمومي المحلي، و المثابرة على تخليقه و جعله في خدمة المواطنين و مصالحهم، و ليس في خدمة من أوكل إليهم مهمة السهر و التضحية من اجل تسييره.
هكذا إذن نرى أن الحكامة المحلية الجيدة ذات البعد الاشتراكي، هي أهم تحدياتنا منتخبين و مواطنين، و على هذا المستوى يبدو أن الطريق لا تزال شاقة و تحتاج المزيد من النفس و الصبر و العطاء دون كلل من اجل استمرار التغيير و الانتقال الديمقراطي.
الإطلاع على مقالات أخرى :
تعليقات ( 1 تعليق )
ان الاستراتيجية العلمية والقانونية المتبعة في الغرب ، هي الاستراتيجية التي ينبغي تو فرها او التهئ لتوفرها في بلادنا ، مع كافة احترازات من خصوصية البلد ، فالتركيز الذي نريد ان يبني عليه المجتمع ككل ، التكوين قبل التسير ثم تبسيط الثقافة العلمية الي مكوناتها الاساسية حسب حاجتنا ، الي فسيفاء صغيرة مجزاة تتماشي مع الثقافة مع الوضع المعاش ، وببساطة شديذة ان الكثير منا لايعرف ما له وما عليه ، لاكنه يكون فقها في كل شئ بمزاج وعقلية لاوجود لها حتي في القرون الغابرة وذالك سباب منها:
التفاخر مابين الاشخاص ، اعفال العلم والثقافة الموصلة الي الفهم الصيح ، القمع وعدم اعطاء الفرص لابراز الطاقات داخل الاسرة وثقاليد المجتمع ، معالجة الضواهر السلبية المتنامية بشكل سريع ،
وللمساهمة في المقاربات الناحجة عقد ندوات ولقاءت تشاركية بين المجتمع المدني والهيات بشتي انواعها مثال ذالك هيئة الاطباء ، هيئة المحاميين ، الاساتدة الجماعيون ، ومجمل القول لامجال للهيات المثقفة الوقوف بعيدا عما يجري في المجتمع من سلبيات تضر ولاتنفع ، المجالس البلدية المسولة عن تهئ الاجواء وليت مسؤولة عن انحرافات وسلوكات مجتمع ، وينبغي تطافر الجهود.

ﻔﺎﻴﺲ ﺒﻭﻚ
ﻳﻭﺘﻮﺐ
ﺗﻮﻳﺗﺭ
ﺪﺍﻴﻠﻲ ﻤﻭﺷﻦ
ﺍﻹﺗﺣﺎﺪ ﺍﻹﺸﺗﺭﺍﻛﻲ
ﻟﻟﻘﻭﺍﺖ ﺍﻟﺷﻌﺒﻳﺔ
أكَادير